تلك العهود التي كانت الحياة تمضي فيها ببساطة الطبيعة ،و عفوية العيش و سلامة البيئة و البعد عن مأساة التلوث البيئي الذي نعيشه في عصرنا الراهن و الذي شمل تقريبا كل ما يحيط بنا ،بدءاً من الهواء المملوء بالغازات السامة التي تنبعث من عوادم السيارات ،و مداخن المعامل ، و احتراق المشتقات البترولية ،و مرورا بتلوث التربة بالأسمدة الكيماوية و المبيدات الحشرية التي تستخدم بإسراف،
و وصولا إلى الطعام الذي نأكله ويشكل الوحدات التي تبني أجسامنا ،هذا الطعام الذي أفسده تدخل الإنسان بما أدخله من وسائل اصطناعية اقتحمت ، أساليب الزراعة و تربية الماشية و الحيوانات فاستخدمت الهرمونات المنمية ،و ابتعدت تلك الأساليب بعدا كبيرا عن أساليب الأجداد، و بدأنا نحصد الثمن على حساب صحتنا و صحة أطفالنا .ففي حين كان الدجاج البلدي – موضوع حديثنا – يسرح و يمرح في الخلاء ضمن المزارع القديمة المغمورة بالشمس و المفعمة بالهواء النقي ،وكانت أفراخ الدجاج تهنأ بصحبتها للدجاجة الأم وهي تركض وراءها تلتقط من الحب في الأرض أو تعتاش على الديدان في التربة أو تأكل من بقايا الخضراوات التي تزيد عن حاجة الفلاح وأسرته ، فيتنوع غذائها تنوعا كبيرا ،و تنمو نموا طبيعيا و يكتسب لحمها الطعم اللذيذ و الفائدة المثلى لصحة الإنسان عند تناوله إياها ،و لا تكون بحاجة لمراقبة صحية .
على العكس مما هو الشأن في دجاج المزارع الحديثة التي لا يرى فيها الدجاج ضوء الشمس و لا يخرج للهواء النقي و لا يغادر حاضنته فينحرم من الحركة النشيطة و من الجري كما تنحرم الصغار من أمهاتها بل إنها لا تعرف أما لها سوى الحاضنة الصناعية ،هذا عدا عن الهرمونات الصناعية التي تقدم إليها بغرض التسمين السريع مما يجعل لحومها تحمل آثار هذه الهرمونات فتنتقل إلينا و تسبب لنا كثيرا من أمراض العصر، التي لم تكن معروفة في أسلافنا ،كما أن الدهون تغزو أجسام هذه الطيور لقلة حركتها من ناحية و للهرمونات و المواد المسمنة التي تضاف إلى علفها أو تحقن بها كالفيتامينات و مضادات الغدة الدرقية و المضادات الحيوية و غير ذلك من الإضافات الصنعية ،التي لا تهدف سوى لشيء واحد :تسمين الطيور بأقصى سرعة مما يجعلها تكتز بالشحم ونجدها عموما تنمو بطريقة شاذة ،فهذه الطيور لا تعرف لها أما ولا أبا ولاتتمتع بحرية ، و لا تتعرض لأشعة الشمس ورقة الهواء الطبيعي، فتصبح أقرب للكائن الصناعي أو للوحش الحقيقي الذي تكوّن خارج بيئته الطبيعية فعاش خارج الزمان و خارج المكان.
و بعد هذا كله فهل يستغرب أحدنا أن يطالعنا العلم قريبا بنوع جديد من الأمراض التي تنقل للإنسان تحت عنوان :الأمراض الناجمة عن تناول لحم الطيور!



